نرفض إرسال قوات عسكرية للدفاع عن السعودية 

يرفض حزب العيش والحرية (تحت التأسيس) طلب تفويض رئيس الجمهورية المعروض على البرلمان لإرسال قوات مصرية مسلحة إلى المملكة العربية السعودية، في مهمات غير معلومة الطابع حتى الآن، تتعلق جميعها بالدفاع عن المملكة في سياق الحرب الدائرة مع سلطة الأمر الواقع في أجزاء واسعة من اليمن تحت قيادة جماعة الحوثي. كما يدعو الحزب كافة النواب المنتمين للتيار الوطني الديمقراطي والمستقلين إلى رفض طلب التفويض.

ونحن إذ ندرك الأهمية القصوى لتأمين باب المندب والمخاطر الجمّة المتمثلة في تعطيل الملاحة في هذا الشريان الحيوي على عوائد قناة السويس – خصوصًا في ظل أزمات اقتصادية طاحنة تتحمل عبئها الغالبية العظمى من شعبنا – فإننا ندين التصعيد العسكري السعودي في اليمن، وندين كذلك الهجمات الحوثية المتكررة على أهداف مدنية في الأراضي السعودية. وبرغم ذلك، فإننا نرفض قرار المشاركة العسكرية في الدفاع عن السعودية للاعتبارات الآتية:

أولًا: إن تسخين جبهة الحرب في اليمن بعد سنوات طويلة من الهدوء – وبغض النظر عن التفاصيل المعقدة التي أدت للتصعيد الراهن – لم يكن ليحدث إلا في سياق الحرب الإمبريالية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. وهذه الحرب، كما ذكرنا في مواقفنا السابقة، تستهدف خلق واقع جديد تنفرد فيه دولة الاحتلال بحيازة أي قدرات دفاعية ذات شأن، بل وتمكينها من فرض نظامها الأمني على الإقليم من خلال تحالفات مع دول كالإمارات أو كيانات ما دون الدولة في منطقة القرن الإفريقي والسودان. وبالتالي، فالمنطق السليم يقتضي مواجهة السبب المباشر لاشتعال الأزمة، لا المساهمة في تصعيد الحرب؛ وهو ما يعني أن كافة الجهود الدبلوماسية والمخابراتية والسياسية يجب أن تتركز على وقف الحرب الأميركية – الإسرائيلية، لا المساهمة في تسخين جبهاتها.

ثانيًا، إرسال قوات مصرية في هذا السياق المشتعل قد يسهم في المزيد من التأزيم، ويعرّض قواتنا وأراضينا لأخطار نحن في غنى عنها، ودون فرص واقعية للدفاع الفعّال عن المملكة أو إنزال هزيمة ولو تكتيكية بالحوثيين. بالعكس، فقد رأينا كيف باءت الضربات الأمريكية السابقة على الحوثيين بالفشل، ولا تمانع الإدارة الأميركية الإجرامية الحالية من المزيد من الاستنزاف لجيوش المنطقة وشعوبها في هذه الصراعات طالما أن أهداف حربها الأصلية تتحقق في كل الأحوال. بخلاف ذلك، فإن أشد المهام الدفاعية تحديدًا لا تنفي إمكانية انزلاق القائمين عليها إلى حروب ممتدة، وتاريخ منطقتنا نفسه شاهد على ذلك.

نكرر مرة أخرى، لو كان يمكن حسم هذا الصراع بشكل نهائي لتمكّنت السعودية وحلفائها من حسمه خلال العمليات العسكرية الممتدة على مدار 11 سنة، منذ أطلقت عدوان عاصفة الحزم في مارس 2015. ولا يوجد جديد في الأفق يوحي بإمكانية هذا الحسم.

ثالثًا، إن القول بأن إرسال قواتنا إلى السعودية ضروري لقطع الطريق على لجوء السعودية للحلف الإسرائيلي – الإماراتي، مردود عليه بأن الأولوية في هذه الحالة يجب أن تتجه إلى وقف الحرب الإقليمية فورًا والتي أدت للتصعيد في الجبهة اليمنية ووضعت السعودية أمام هذه الخيارات الحرجة. ناهيك عن عدم وجود دليل أو مانع منطقي يحول دون تعاون السعودية الأمني والدفاعي مع إسرائيل حتى في حالة وجود القوات المصرية، خصوصًا لو تفاقمت تهديدات الحوثيين للعمق السعودي. وفي هذه الحالة – لا قدر الله – ستجد مصر نفسها طرفًا في حلف إسرائيلي، في حين أن تدخلها كان لقطع الطريق على هذا الحلف كما تدّعي الكثير من الأصوات. 

رابعًا، إن كانت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية الحالية هي السبب المباشر لتسخين الجبهة في اليمن، فإن جذور الحرب في اليمن تمتد إلى ما هو أبعد وأعمق من هذه الحرب بكثير، ويجب مواجهتها إن كانت النية منعقدة على تحقيق استقرار مستدام بالفعل في اليمن والإقليم. هذه الحرب هي واحدة من أعراض أزمة أكبر نتاج عقود طويلة من السلطوية والنهب المنظم لثروات هذا البلد من قبل شبكة عائلية الطابع تحت حكم الرئيس على عبد الله صالح. وهذا المسار المرير – وكما هو الحال في غالبية المجتمعات العربية التي مرّت بالانفجار الثوري في 2011 – خلق الفراغ والتفكك الذي سمح لجماعة الحوثي باستغلال ضعف الدولة وتفكك مؤسساتها ثم القفز على السلطة بالدعم الإيراني والتحالف مع بقايا نظام صالح نفسه في 2015. 

الحوثيون في النهاية قوة رجعية مارست نهجًا سلطويًا وقمعًا مليشياويًا خلال سنوات سيطرتها على غالبية مناطق اليمن، ودخلت في تحالف استراتيجي مع إيران لا يأخذ في حسبانه تعقيدات الواقع اليمني وحسابات جواره المعقدة. والسعودية، في المقابل، تعاملت مع اليمن كفناء خلفي تخضعه لحصار خانق ويعربد فيه طيرانها بحرية لا كمجتمع يجب أن يحقق حدًا أدنى من الرفاه والحرية حتى يتمتع جيرانه بالأمن. والقوى المدعومة سعوديًا بدورها مفلسة وأظهرت قدرًا مخجلًا من العجز والانتهازية، بل وانفتحت على قوى شديدة التطرف بعضها له خلفية سلفية جهادية صريحة. والمحصلة كانت دمار شامل للمجتمع اليمني وضع هذا الشعب العريق على حافة المجاعة وحكم على أجياله القادمة بالضياع. هذه الأزمة الممتدة بالتالي تتطلب حلولًا سياسية شاملة لا عسكرية، وتتطلب فرض تنازلات سياسية الطابع على كافة الأطراف لا الانحياز لطرف في مواجهة الآخر. 

وبناءًا على كل ما سبق، فإننا نرى أن الجهد المطلوب لتحييد مخاطر تجدد هذا الصراع على أمن مصر القومي ومصالح شعبها يتمثل في الآتي: 

أولًا، تكثيف جهود مصر في الوساطة الدبلوماسية والسياسية لوقف التصعيد في اليمن، والإدارة المصرية الحالية قد نجحت رغم كل شئ في الحفاظ على قنوات مفتوحة مع كل أطراف الحرب الدائرة في المنطقة وعليها توظيفها في الضغط على كافة الأطراف للتهدئة، ووقف العمليات العسكرية العبثية في السعودية واليمن على حد سواء. 

ثانيًا، البدء في عملية سياسية جديدة في اليمن بمساهمة مصرية ورعاية أممية -والتي انجزت بالفعل اتفاقات سابقة لوقف الحرب- تأخذ في اعتباراتها حقائق الموقف العسكري والسياسي على الأرض ولا تسعى لاستبعاد أي قوة من ترتيبات المستقبل، ويجب توفير الظروف المناسبة لهذه العملية والتي تتضمن فك الحصار الحوثي على تعز وترفع الحصار الجائر على المطارات والموانئ اليمنية وضمان تدفق المساعدات واستئناف الأنشطة التجارية الاعتيادية في مقابل فرض حظر أممي على توريد السلاح للقوى المتقاتلة في اليمن وعلى رأسها جماعة الحوثي والتشكيلات العسكرية المنضوية تحت ما يسمي بـ «تحالف الشرعية»، وكذلك الجماعات التي كانت تتحرك وفق أجندة إماراتية، مع توفير ضمانة دولية تمنع تكرار الاعتداءات السعودية على اليمن.

ثالثًا، تكثيف الجهود من أجل وضع حد للحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وهو هدف أصبح ممكنًا مع استطالة أمد هذه الحرب واحتمال تغير توجهات الإدارة الأمريكية جزئيًا بعد خسارة الجمهوريين المتوقعة لانتخابات التجديد النصفي في الكونجرس. ويتطلب ذلك في الواقع عزل الأصوات التي تسعى لتسخين الجبهة اليمنية سواء انطلقت من أبوظبي أو الرياض أو طهران أو تل أبيب لا العكس. 

نشدد في الختام على أن الأزمة اليمنية أضافت دليلًا إضافيًا على حقيقتين مريرتين. الحقيقة الأولى، أن غياب نظام دفاعي وأمني عربي مشترك يتصدى للعدوان الخارجي أيًا كان مصدره، أو لتحديات الإرهاب والحروب الأهلية وانهيار الدول، لم يفد أي طبقة حاكمة في المنطقة على حدة، بل جعلها جميعًا هدفًا سهلًا للابتزاز الأميركي والإسرائيلي، وحكم عليها بالتردي من خيار سيئ لآخر أسوأ. والحال كذلك، أصبح من ضمن المهام طويلة المدى التي يجب على كافة القوى الديمقراطية – وفي القلب منها اليسار – التصدي لها في سياق نضالها ضد سلطة هذه الطبقات الحاكمة التي لم تجلب أمنًا ولا استقرارًا ولا تنمية.

الحقيقة الثانية، أن ارتهان مصر المالي لأنظمة الخليج واعتمادها شبه الحصري على رأس المال الخليجي في تسيير الاقتصاد المحلي قد ضيّق بشدة من هامش خيارات النظام المصري الدفاعية والأمنية والدبلوماسية، وفتح المجال لسلسلة من الابتزازات التي تضرّ بالأمن القومي في النهاية. وبالتالي، فإن استقلالية القرار المصري في مسائل الأمن القومي أصبحت لا تنفصل عن استقلالية الاقتصاد المصري نفسه، وهو ما يقتضي نضالًا دؤوبًا من أجل مسار تنموي بديل يبدأ بتحرير القرار المصري من شبكة المصالح الاقتصادية العابرة للإقليم، والتي اختطفته بشكل شبه كامل في السنوات الماضية