دماء العمال والأطفال على الطريق الأوسطي ليست حوادث عابرة.. بل ثمن سياسات الدولة 

ببالغ الحزن والغضب، يتابع حزب العيش والحرية حادث تصادم الطريق الأوسطي والذي أسفر، وفقًا لما نشرته وسائل الإعلام، عن وفاة 10 أشخاص وإصابة 24 آخرين.

و تضم القوائم أطفالًا تتراوح أعمارهم بين 7 و17 عامًا، من بينهم من فقدوا حياتهم ومن أصيبوا، كانوا في طريقهم إلى العمل بإحدى المزارع. أطفال كان يفترض أن يكون مكانهم في المدارس، لا في سيارات تنقلهم إلى مواقع العمل.

ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة ما دامت الأسباب قائمة٬ فشروط التشغيل الهشة وعدم توافر ضمانات حقيقية للنقل الآمن سبق أن أودت بحياة العشرات من العمال/ات وأصابت المئات، وصدرت مطالبات بتنظيم نقل العمالة الزراعية وإخضاع علاقات التشغيل للرقابة، لكن هذه المطالب لم تتحول إلى إجراءات تمنع تكرار المأساة. إن تكرار الحوادث ليس مجرد مصادفة، بل يكشف عن خلل مستمر في منظومة العمل والحماية والمساءلة.

ويكشف وجود أطفال عن الوجه الأكثر قسوة لاستغلال الفقراء. فبالرغم من أن القانون لا يجيز تشغيل الأطفال قبل بلوغ الخامسة عشرة، ويحظر تشغيل من هم دون الثامنة عشرة في الأعمال الخطرة أو الضارة بصحتهم وسلامتهم٬ فإن النصوص القانونية وحدها لا تحمي الأطفال حين تظل الأسر محاصرة بتراجع الدخول وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الحماية الاجتماعية، وحين يصبح عمل الأطفال ضرورة لتدبير الاحتياجات الأساسية. وهو ما لا يجب أن تتحمل الأسر مسؤوليته وحدها، بينما تظل السياسات التي تنتج الفقر وتوسع الهشاشة خارج المساءلة، ويستفيد أصحاب الأعمال من قوة عمل منخفضة التكلفة ومن ضعف قدرة العمال على المطالبة بحقوقهم.

كما نتساءل عن مسؤولية أصحاب الأعمال ومقاولي الأنفار والجهات المستفيدة من العمالة منخفضة التكلفة عن توفير انتقال آمن إلى مواقع العمل، فلا يجوز أن تكون تعددية الوسطاء في العمل الزراعي ذريعة للتنصل من المسؤولية، أو تحميل العمال تكلفة النقل الآمن، وجعله عبئًا يقتطع من أجورهم المحدودة.

إن الدولة التي تترك العمالة الزراعية تعمل في ظروف غير مستقرة، دون رقابة فعالة أو حماية اجتماعية كافية، ولا تضمن انتقالها الآمن إلى مواقع العمل، تتحمل مسؤولية استمرار هذه الأوضاع. ولا يجب أن يقتصر دورها على إصدار بيانات التعازي أو انتظار نتائج التحقيقات، بل يمتد إلى إنفاذ القانون، وحماية الحقوق، ومحاسبة أصحاب الأعمال والوسطاء، وضمان ألا تكون حياة العمال رهينة حسابات خفض التكلفة وتعظيم الأرباح. وتمتد هذه المسؤولية أيضًا إلى ضمان حق العمال/ات في التنظيم النقابي، بما يمكنهم من التفاوض الجماعي حول الأجور وشروط العمل ووسائل الانتقال. فغياب التنظيم يترك العمال، في مواجهة أصحاب الأعمال والوسطاء كلٌّ بمفرده، ويحرمهم من القوة الجماعية اللازمة لرفض شروط العمل الخطرة والمطالبة بحقوقهم.

ويطالب حزب العيش والحرية بالآتي:

• فتح تحقيق شامل وشفاف في ملابسات الحادث، لا يقتصر على تحديد السبب المباشر للتصادم، بل يمتد إلى فحص ترتيبات تشغيل العمال ونقلهم، وتحديد المسؤوليات الجنائية والإدارية لجميع الأطراف المعنية، بما فيها الجهات المستفيدة من العمالة.

• تعزيز التفتيش على علاقات العمل في القطاع الزراعي، وضمان تمتع العمالة الزراعية وغير المنتظمة بكافة الحقوق التي يكفلها القانون، بما فيها السلامة والصحة المهنية والحماية الاجتماعية، مع اتخاذ إجراءات جادة لمواجهة عمالة الأطفال، تشمل توفير بدائل اقتصادية للأسر، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وضمان حق الأطفال في التعليم والحياة الآمنة.

• ضمان حصول جميع المصابين على الرعاية الطبية الكاملة، وصرف التعويضات المستحقة لأسر الضحايا والمصابين، بما يشمل الإصابات وفترات العلاج والتعطل عن العمل.

• إصدار الاستراتيجية الوطنية للسلامة والصحة المهنية، على أن تتضمن حماية العمالة الزراعية والعمالة غير المنتظمة، وتُلزم أصحاب الأعمال ومقاولي الأنفار والجهات المستفيدة من العمالة بتوفير وسائل انتقال آمنة ومناسبة، وتمنع استخدام تعدد أطراف التشغيل وسيلة للتهرب من المسؤولية.

• مراجعة السياسات الاقتصادية التي تؤدي إلى اتساع الفقر وتراجع الدخول وتدهور شروط العمل،و رفع القيود القانونية والإدارية المفروضة على الحق في التنظيم النقابي وضمان عدم التضييق والملاحقة .

إن ما جرى اليوم ليس مأساة أسر فقدت أبناءها وبناتها فحسب، بل جرس إنذار جديد بشأن واقع العمل في مصر، حيث يدفع الأطفال ثمن الفقر من أعمارهم وأجسادهم. لقد تكررت الحوادث والتحذيرات، وسقط ضحايا جدد، بينما ظلت سلامة العمال خارج أولويات السياسات وممارسات التشغيل. فكم عاملًا وعاملة وطفلًا يجب أن يفقدوا حياتهم حتى تتحرك الدولة لوضع حد لتلك الأوضاع؟

وإذ يتقدم حزب العيش والحرية بخالص التعازي إلى أسر الضحايا، فإننا نشاركهم ألم فقدان أبنائهم وبناتهم، ونتمنى الشفاء العاجل لجميع المصابين/ات . لكن التعازي لا تغني عن المحاسبة، والقوانين لا تكون ذات معنى ما لم تتحول إلى حماية فعلية للعمال /ات والأطفال. فالحق في العمل لا يعني القبول بالموت في الطريق إليه.