النقابات تحت الوصاية: قراءة في تعطيل الانتخابات العمالية 2026

في الوقت الذي كان من المفترض أن تستعد فيه الحركة العمالية في مصر لخوض أهم استحقاقاتها الديمقراطية، والمتمثل في الانتخابات النقابية العمالية المقرر إجراؤها في مايو 2026، تتكشف مؤشرات مقلقة على تعطيل هذا الاستحقاق والتدخل في مساره منذ مراحله الأولى.

فقد أعلنت وزارة العمل عن بدء الإجراءات التنظيمية للانتخابات، من خلال تشكيل غرفة عمليات مركزية، وإصدار تعليمات للمديريات، وبدء تلقي ما يُعرف بـ”المشروعات الانتخابية” من النقابات. وتُعد هذه المشروعات وثائق أساسية تتضمن بيانات الجمعية العمومية، وأعداد الناخبين، ومقار اللجان، وعدد صناديق الاقتراع، والنظام الانتخابي المعتمد وفقًا للوائح النقابية.

إلا أن هذه الخطوات سرعان ما شابها عدد من الممارسات التي تمثل انتهاكًا صريحًا لاستقلال التنظيمات النقابية. من أبرز هذه الانتهاكات، صدور تعليمات تُلزم اللجان النقابية بتسليم مشروعاتها الانتخابية إلى النقابات العامة، لتتولى الأخيرة تقديمها إلى المديريات، وهو ما يمثل تدخلًا مباشرًا في عمل اللجان النقابية، ويُعد إهدارًا لشخصيتها الاعتبارية المستقلة، بالمخالفة لما أقره قانون المنظمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017، الذي كفل استقلال اللجان النقابية واعتبرها أشخاصًا اعتبارية لها حق إدارة شؤونها.

كما تم رصد ممارسات إدارية تعرقل نزاهة العملية الانتخابية، من بينها امتناع الجهات المختصة عن تسليم إيصالات رسمية تفيد استلام المشروعات الانتخابية من ممثلي النقابات، وهو ما يخالف قواعد الشفافية والإجراءات الإدارية السليمة، ويهدر مبدأ اليقين القانوني.

وفي هذا السياق، نؤكد – استنادًا إلى الخبرة الميدانية للنقابيين – أن ما يجري اليوم ليس أمرًا طارئًا، بل هو امتداد لمسار بدأ مع أول انتخابات نقابية عمالية أُجريت في عام 2018 بعد صدور قانون المنظمات النقابية، والتي مثّلت أول اختبار فعلي لهذا الإطار التشريعي. ومنذ ذلك الحين، تعرضت بعض اللجان والنقابات للمنع والتضييق، بما حال دون مشاركتها الفعلية في دورتين انتخابيتين متتاليتين، وهو ما يكشف عن نمط مستمر من تعطيل الحق في التنظيم النقابي.

كما تعكس الشهادات المباشرة للنقابيين أن هذا التضييق يرتبط بتدخلات تتجاوز الإطار الإداري، حيث تتواتر الإشارات إلى تدخل جهات أمنية في مسار العملية الانتخابية، سواء عبر تعطيل الإجراءات، أو تأخير الكشف الطبي، أو حجب المستندات. وهو أمر يفتقر إلى أي سند قانوني، إذ لا يجيز القانون تدخل أي جهة أمنية في الانتخابات النقابية، التي تُعد شأنًا مستقلًا للعمال وتنظيماتهم.

وفي الوقت ذاته، نؤكد أن دور وزارة العمل – وفقًا للقانون – هو دور إداري وتنظيمي يقتصر على تلقي المستندات والإشراف الإجرائي على العملية الانتخابية، دون أن يمتد إلى إصدار تعليمات ملزمة للنقابات أو فرض مسارات تنظيمية عليها. وبالتالي، فإن أي تدخل من جانب الوزارة يتجاوز هذا الدور يُعد انتهاكًا لاستقلال التنظيم النقابي، شأنه في ذلك شأن أي تدخل أمني.

وفي تطور بالغ الخطورة، تم طرح مقترح داخل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب يقضي بمدّ الدورة النقابية من أربع سنوات إلى خمس سنوات.

من حيث المبدأ، يُعد تحديد مدة الدورة النقابية بقانون موحد محل إشكال دستوري؛ إذ تنص المادة 76 من الدستور المصري على أن إنشاء النقابات وإدارتها يتم على أساس ديمقراطي، بما يضمن استقلالها، وهو ما يقتضي أن تكون مسألة تحديد مدة الدورة النقابية خاضعة لإرادة الجمعيات العمومية للنقابات، لا مفروضة بقرار مركزي.

كما أن فرض مدة موحدة وجدول انتخابي مركزي على جميع النقابات يتعارض مع مبدأ الاستقلال النقابي، ويقيد حرية التنظيم، بالمخالفة للمعايير الدولية، وعلى رأسها:

اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 87 بشأن الحرية النقابية وحماية حق التنظيم (1948)، والتي تكفل حق العمال في إنشاء منظماتهم وإدارتها بحرية دون تدخل من السلطات العامة.

اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 98 بشأن حق التنظيم والمفاوضة الجماعية (1949)، والتي تحظر أي تدخل من شأنه تقييد حرية التنظيم النقابي أو التأثير عليه.

الأخطر من ذلك، أن هذا التعديل – حال إقراره – سيُطبق بأثر رجعي، بما يعني تمديد مدة المجالس النقابية المنتخبة في عام 2022 لمدة إضافية، رغم انتخابها على أساس دورة مدتها أربع سنوات، وهو ما يُعد انتهاكًا صريحًا لمبدأ عدم رجعية القوانين، ولمبدأ استقرار المراكز القانونية، بالمخالفة لما استقر عليه القضاء الدستوري، وبما يتعارض مع المادة 95 من الدستور المصري.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن ما شهدته الانتخابات النقابية منذ انطلاقها في 2018، والتي تضمنت تجميد أو تصفية بعض النقابات، مثل نقابة العاملين بأندية قناة السويس ونقابة الشوربجي، فضلًا عن منع بعض اللجان من خوض العملية الانتخابية، ما دفعها إلى عقد جمعيات عمومية بديلة، أو تجديد الثقة في مجالسها، أو البقاء في وضع معلق يعوقها عن ممارسة دورها.

وتُعد هذه الممارسات، في مجملها، انتهاكًا للحق في التنظيم، الذي كفله أيضًا العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (المادة 8)، والذي صادقت عليه مصر، ويضمن حق تكوين النقابات والانضمام إليها بحرية.

ويطالب حزب العيش والحرية بما يلي:

ضمان استقلال اللجان النقابية، واحترام شخصيتها الاعتبارية، وتمكينها من مباشرة إجراءاتها الانتخابية دون وساطة أو وصاية.

وقف كافة أشكال التدخل الإداري والأمني في العملية الانتخابية.

التزام وزارة العمل بدورها القانوني دون تجاوز.

إلزام الجهات الإدارية بالشفافية في جميع الإجراءات، وعلى رأسها تسليم إيصالات رسمية بكل المستندات المقدمة.

وقف أي محاولات لتمرير تعديلات تشريعية تمس الدورة النقابية دون حوار مجتمعي حقيقي، ورفض تطبيق أي تعديلات بأثر رجعي.

تعديل التشريعات بما يتوافق مع الدستور والاتفاقيات الدولية، خاصة ما يتعلق بتخفيض شروط تأسيس النقابات وتوسيع الحريات النقابية.

ضمان إجراء الانتخابات في مواعيدها، تحت إشراف مستقل يضمن النزاهة، وبعيدًا عن أي تدخلات إدارية أو أمنية.

إن احترام الحريات النقابية ليس فقط التزامًا دستوريًا وقانونيًا، بل هو شرط أساسي لتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان تمثيل حقيقي للعمال، وبناء علاقات عمل عادلة ومتوازنة.