بيان العيش والحرية عن مشروع الحكومة لقانون الاحوال الشخصية للمسيحيين

مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين خطوة طال انتظارها٬ لكنها للأسف جاءت مخيبة للآمال. فالمشروع وضعته وزارة العدل مع ممثلي ستة كنائس بمعزل عن المسيحيين أنفسهم أو المجتمع المدنى٬ وكأنه سر من أسرار الدولة لا يعنى ملايين المواطنين و يحدد أدق تفاصيل حياتهم حتى خرج به مجلس الوزراء إلى البرلمان وفاجأ به المجتمع. أسلوب الإعداد هذا يرسخ فكرة التعامل مع المسيحيين بمبدأ الوصاية و ليس المواطنة الكاملة.

أما فيما يخص القانون نفسه، فالقانون المسمى بالموحد ليس موحدا على الاطلاق. فنرى بالتحديد فى مواد الطلاق والزواج الثانى فروقا شاسعة بين حقوق المنتمين لكل طائفة لدرجة أن طائفة الكاثوليك قد استبعدت تماما، لتطبق عليها اللائحة الداخلية للكنيسة الكاثوليكية بعيدا عن أى حقوق قانونية. كذلك هناك طوائف مسيحية مثل الأدفنتست السبتيين موجودة في مصر ومعترف بها لكن لا يشملهم القانون.

لا ننكر أن هناك إيجابيات في مشروع القانون مثل بنود الانحلال المدنى للزواج الذي قد يعتبرها البعض ثورة مقارنة بما هو قائم في الكنيسة القبطية الأرثوزوكسية منذ السبعينات وتم تكريسه في لائحة 2008 التي حصرت الطلاق في سبب الزنا والتي شاب إجراءات صدورها الكثير من العوار. لكن القانون يعد خطوة للوراء عما كان معمولا به فى لائحة 1938 للأقباط الأرثوزوكس التى كانت تتيح أسباب أوسع للطلاق٬ وكانت تستند إليها المحاكم المصرية وتطبقها الكنيسة لعقود.

هذه بالتحديد هي محدودية طريقة وضع القانون نفسه. قد يُقال إننا لا نستطيع أن نطلب من الكنيسة مخالفة عقيدتها، ولكننا بالقطع نستطيع أن نطالب بقانون يشارك فى وضعه المسيحيون بمختلف انتماءاتهم ليراعي من يريد التمسك بتعاليم الكنيسة أو من له فكر آخر، خاصة أن هناك اختلافات جوهرية بين الطوائف أو حتى داخل الطائفة الواحدة على مر العصور. فالقانون قد منع حتى فكرة تغيير الطائفة للحصول على الطلاق.

أما بالنسبة للحق فى الزواج الثانى، فالوضع أسوأ كثيرا. فرغم أن القانون وضع من قبل المؤسسات الدينية٬ فإنه لا يتيح الحق فى الزواج الثانى بمجرد الحصول على الطلاق، و لكنه يعيد ذلك إلى الكنائس مرة أخرى لتقرر أحقية كل حالة على حدة. أما من تم اتهامه بالزنا فعليا أو حكميا، فقد فقد ذلك الحق للأبد. الحقيقة أن هناك جدل كبير جدا تاريخيا وعالميا حول التفسيرات الدينية التي لن نتطرق لها فذلك ليس منطقيا عند مناقشة قانون وضعي.

ألا يستحق المسيحيون المصريون الاختيار فى تقرير شكل حياتهم بالنسبة لأكثر القرارات حساسية وخصوصية وأهمية؟ ألا تستحق المرأة المعنفة من قبل الزوج بدنيا أو نفسيا الخلاص من هذا المصير؟ الحقيقة أن ذلك بالتحديد يعد تمييزا ضد الأقلية الدينية و ليس العكس. فنحن نطالب بشكل واضح بإتاحة الحق المدنى للمسيحيين المصريين فى الطلاق والزواج الثانى بدون تمييز. و من أراد أن يتبع تعاليم كنيسة أو طائفة محددة فلن يجبره أحد على غير ذلك. فلا يجب أن يجبر المسيحيين على التحدث عن أدق تفاصيل حياتهم و أكثرها حساسية و حرجا أمام المحكمة أو أمام القيادة الدينية ليستطيعوا الحصول على الطلاق، على الأقل حفظا لكرامتهم. إن القانون يرسخ الوصاية الدينية على المواطنين المسيحيين بدء من الخطبة مرورا بالزواج والطلاق وبالأخص في الزواج الثاني حتى أنه يشترط أخذ رأي الرئاسة الدينية في زواج شخص وافق كتابةً على الزواج من شخص آخر لديه مشكلة صحية في انتهاك لخصوصية شخصين بالغين ارتضيا الزواج.

ونحن لا ننكر أن القانون قد حل مشكلة تطبيق المواريث الإسلامية على المسيحيين مما يعد خطوة ايجابية٬ و لكنه فى نفس الوقت تجاهل موضوعا آخر لا يقل أهمية وهو حق التبنى الذى تتيحه تماما التعاليم المسيحية.

هناك الكثير من الموضوعات المشتركة بين قانون المسلمين وقانون المسيحيين مثل الحضانة والنفقات وخلافه لكن من الضروري التنويه أن كلا القانونين يمارسان التمييز ضد المرأة المختلفة في الدين مع صغارها وهي بالتحديد الأم المسيحية لأطفال مسلمين حيث تُحرم من حق حضانتهم بعد سن السابعة وتحرم من الوصاية أو القوامة عليهم وتحرم من الميراث من زوجها. فلماذا تسمح الدولة بزواج المسيحية من مسلم أصلا إن كانت ستعاقبها هكذا؟

كذلك تتضمن بنود النسب المطروحة في القانون تقييدا للمدد التي يستطيع خلالها الابن أو الأم المطالبة بالنسب. والأمر نفسه بالنسبة لمدد المطالبة بالحضانة ومسكن الحضانة. ويشترك قانونا المسيحيين والمسلمين في تنظيم معيب للحضانة يسقط حق الحضانة عن الأم والأب فى حال زواجهم بآخر ولكنه لا يسقطها عن غيرهم فى حال الزواج، فهل يعد هذا عقابا للأم والأب على رغبتهم فى استمرار الحياة؟

أخيرا٬ نطالب بوضع قانون أكثر عدالة ومراعاة للتنوع والاختلاف وبمشاركة المواطنين والمواطنات المسيحيين في وضعه ليأتي مستجيبا لواقع المتضررين الذين يعانون لسنوات وينهي معاناتهم.