بفرار بشار ينتهي حكم الأسد الإجرامي .. نفرح لأهلنا والحفاظ على السلم الأهلي أولوية

بفرار بشار الأسد من سوريا ينتهي حكم عائلته الإجرامي الذي تخطى نصف قرن اتسم بالنهب المنظم لثروات البلد وعائد كادحيه، بل وإذلال السواد الأعظم من هذا الشعب الكريم وتخريب ممنهج لتراثه المدني والسياسي العريق. فكان حصاد الإفقار والقمع الوحشي وتحطيم الروابط السياسية بين الناس أن انتهت الثورة الديمقراطية في ٢٠١١ إلى حرب أهلية على خطوط تماس طائفية وإثنية ومناطقية. امتدت تلك الحرب المروعة لما يقرب من عقد ونصف دمرت البنية الأساسية للبلاد٬ وراح ضحيتها مئات الآلاف من البشر وتسببت في تهجير الملايين من الشعب السوري في المنافي، وأضافت شروخا إضافية للنسيج الوطني نفذت منها قوى إقليمية عدة، من تركيا لإيران لممالك الخليج العربي، وحتى روسيا، وقبل ذلك كله الولايات المتحدة وإسرائيل بالطبع. انتزعت كل هذه القوى مساحة من جغرافيا البلد بقدر ما ساهمت في مصادرة إرادة شعبه.

وإذ نفرح لفرح أهلنا في سوريا، ونسعد لتخلصهم من إجرام الديكتاتور المستبد ونأمل أن يكتب فراره نهاية لعقود من سحق المجتمع وللحرب الأهلية، نتبنى هنا في مصر دعوة وشعار العديد من القوى الديمقراطية في سوريا حاليا أن الأولوية القصوى هي الحفاظ على السلم الأهلي بين مكونات المجتمع السوري وما تبقى من استقلال القرار الوطني. هذه مهمة شاقة بالطبع نتيجة عدد من العوامل:

– على رأس هذه العوامل بالطبع أن إسقاط بشار تم على يد قوي طائفية متطرفة، رعت كل من تركيا و الولايات المتحدة تحركها الأخير بشكل علني. بل يقف على رأس هذه القوى جماعة تنتمي إلى تنظيم القاعدة المتطرف والإرهابي، ونعني ما يعرف بهيئة تحرير الشام أو جبهة النصرة، والتي ساهمت في تخريب النسيج الاجتماعي السوري وعانى ملايين السوريين من حكمها في عديد المناطق خلال السنوات الماضية. بالرغم من ذلك أظهرت الأيام الماضية ترابطا غريزيا استدعت فيه مكونات الشعب السوري ميراث تعايشها الذي تشكل بالرغم من سنوات التخريب الأسدي. هذا الحس الوطني المسئول الذي أظهره الكادحون، الذين طحنتهم سنوات القمع والحرب، هو بارقة أمل في هذا المشهد الملتبس يجب التقاطها والبناء عليها.

– ثاني هذه العوامل أن تحركات المعارضة الطائفية المسلحة كما هو معلوم للجميع قد أفادت من ضربات إسرائيل لقوات حزب الله في سوريا ولبنان، بل وبشكل غير مباشر من حربها الإبادية في غزة. لا يعني الإقرار بهذه الحقيقة دفاعًا عن ما يسمى بمحور الممانعة بقيادة إيران، فقد أسس هذا الأخير قوته أساسا بالاحتلال ودعم أنظمة الاستبداد والطائفية، ودعم إجرام النظام السوري ضد شعبه، وقوض عبر أذرعه المسارات الديمقراطية في العديد من الدول العربية. كما لا يعني إقرارنا هذا ابتزازا للنضال الديمقراطي السوري القادم. لكننا نرصد مشهدا مختلا تماما لمصلحة إسرائيل والتي ترى في عموم شعوب المنطقة، أيا كانت طوائفهم أو انتماءاتهم عدوا أبديا وخطرا دائما. وهذا الخلل يفرض على كل الطامحين لمستقبل ديمقراطي عادل في سوريا أعباء إضافية، ويقظة ضد محاولات إسرائيل توسيع احتلالها للأراضي السورية، وفرض نفسها على طاولة هندسة المشهد القادم مع تركيا والولايات المتحدة. ولم تتأخر دولة الاحتلال عموما في الكشف عن نواياها فقد أعلن نتانياهو سريعا انهيار اتفاق “فض الاشتباك” لعام 1974 مع سوريا في الجولان، وبدء الجيش الإسرائيلي التوغل في سوريا للسيطرة على المنطقة العازلة في الجولان السوري.

– إن العقد الماضي مع الأسف أثبت كذلك عدم ارتقاء القوى التي حاولت التصدي لمهمة التمثيل السياسي لطموحات غالبية السوريين الديمقراطية لمستوى المسئوليات الملقاة على عاتقها. وكانت هذه القوى في الكثير من الأحيان، كائتلاف معارضة الخارج، كما العديد من الفصائل المسلحة على الأرض، معبرا وواجهة لنفوذ هذه القوة الإقليمية أو تلك. وبالتالي، فالرهان لإنجاز فروض السلم الأهلي واستقلال القرار الوطني لا ينعقد على هذه الكيانات، ولكن الأمل، مرة أخرى، ينعقد على هؤلاء الشباب الكادحين في قرى وأحياء المدن السورية ورغبتهم في الحياة وصناعة مستقبل يليق بأحلامهم. والمجال الآن مفتوح للتواصل مع الناس مباشرة بعيدا عن اللافتات الممولة البراقة.

– وأخيرا تأتي هذه التطورات في ظل غياب ما كان يعرف بالنظام الإقليمي العربي سواء باتجاه دول الخليج الرئيسية للتحالف الصريح مع إسرائيل، أو بانكفاء مصر تماما وتبعيتها لهذا المحور الخليجي المستجد. بالطبع ساهمت دول الخليج نفسها في أوقات سابقة في تأجيج الحرب الأهلية وتدمير البدائل الديمقراطية السلمية في سوريا. ولكن نأمل على الأقل أن تستشعر تلك الدول المخاطر الأمنية المتمثلة في سيطرة تنظيمات متطرفة، متحاربة، على مفاصل السلطة في هذا البلد المحوري، وأن تبادر للمشاركة في جهود إعادة الإعمار وبناء المؤسسات هناك. ومصر على وجه الخصوص تمتلك قابلية معقولة للعب هذا الدور أخذا في الاعتبار عدم مشاركتها في دعم أي طرف مسلح، بالإضافة للروابط الثقافية والتاريخية الخاصة التي تربط الشعبين المصري والسوري.

مرة أخرة ندرك أن مهمات دعم التماسك الأهلي واستقلالية القرار الوطني ليست مسألة سهلة في ضوء العوامل السابقة. ولكن بدون إنجاز هذا الفرض الملح لا يمكن البدء في المهمات الاستراتيجية كبناء دولة ديمقراطية عابرة للأعراق والقوميات والطوائف والمذاهب الدينية في البلاد تكون من الشعب السوري ولأجله.

ونحن هنا في مصر عيوننا وقلوبنا مع الشعب السوري الحبيب. وكما ألهمنا صموده خلال سنوات الحرب والنزوح نأمل أن يلهمنا إبداعه في بناء بديل ديمقراطي عادل. نحن من مصر معكم على هذا الطريق، شركاء في الهم والمعاناة والأمل.